ميناماتا.. عودة جوني ديب بعد أزمته الأخيرة

الفيلم الجديد من أهم الأعمال التي أبرزت قدرات جوني ديب الفنية بعيدا عن أدوار الفانتازيا والمغامرة.

مرّ الممثل جوني ديب بمجموعة من الأزمات المتلاحقة منذ 2019، أبرزها القضايا التي رفعتها عليه زوجته السابقة آمبر هيرد بإساءته لها خلال فترة زواجهما، والتي رفع مقابلها قضايا أخرى لإثبات أنها هي الشخص المسيء، ونسي الكثيرون في كل هذه الفوضى أن ديب كان واحدا من ألمع نجوم جيله وأكثرهم شهرة وشعبية، فمرّ عرض فيلمه الجديد “ميناماتا” (Minamata) دون الكثير من الاهتمام الذي يستحقه.

الفيلم لم يعرض حتى الآن في الولايات المتحدة، حيث تماطل شركة مترو غولدن ماير في تحديد الموعد، على الرغم من الاتهام الذي وجهه مخرجه أندرو ليفيتاس لها بأنها تدفن الفيلم وترفض عرضه، وجاء عرضه الأول في مهرجان برلين السينمائي ثم في المملكة المتحدة واليابان والعديد من الدول حول العالم.
لقاء بين السينما والفوتوغرافيا
تدور أحداث فيلم ميناماتا -المبني على قصة حقيقية- خلال سبعينيات القرن الماضي، حول المصور الفوتوغرافي الشهير أيوجين سميث الذي يعمل لمجلة لايف، وتدعوه فتاة يابانية أميركية تدعى إيلين لتصوير الكارثة البيئية التي تحدث في المدينة الصغيرة ميناماتا، نتيجة لتلوث المياه بمخلفات أحد المصانع الكبيرة، وهي القضية التي تغض عنها الحكومة اليابانية النظر، على الرغم من أن ضحاياها أكثر من جيل من الأطفال المصابين بالتشوهات الخلقية المرعبة، وهو ما يدفع أيوجين -الذي كان يعاني من الإفلاس والاكتئاب- إلى التعاطف مع القضية، ويذهب في رحلة ليقدم واحدة من أهم أعماله الفوتوغرافية.

يمثل فيلم ميناماتا نقطة تلاق بين فن التصوير الفوتوغرافي، والفن الذي تطور منه وهو “السينما” التي يطلق عليها اسم فن الصور المتحركة، فالثبات -وهو أهم خصائص الفوتوغرافيا- عندما تفقده وتتحرك هذه الصور يصبح لدينا الفيلم السينمائي، وفي هذا الفيلم الذي يدور على مجموعة من أشهر الصور الفوتوغرافية في التاريخ وأحد أهم المصورين، كان لا بد من صنع أرض وسطى بين الفنين.

نجد هذا واضحا في طريقة تصوير فيلم ميناماتا التي تركز بشكل مستمر على تأطير الكادرات، أو اختيارها بشكل يشبه ما يحدث في الصور الفوتوغرافية والعناية بما يظهر فيها، ثم الثبات في الحركة أثناء التصوير السينمائي، ليشعر المشاهد أنه أمام صورة فوتوغرافية ثابتة، خاصة مع الصور المشابهة لما صورها يوجين بنفسه أثناء رحلته التي امتدت عامين في ميناماتا.
جوني ديب ورحلة البطل
اشتهر جوني ديب بتقديم الشخصيات التي تتطلب مكياجا يغير الكثير من ملامحه، وتقمصا تاما، مثل الكابتن جاك سبارو في سلسلة أفلام “قراصنة الكاريبي”، أو صانع القبعات المجنونة في “أليس في بلاد العجائب”، لكن هذه المرة الدور لشخصية حقيقية، ذات مظهر معروف وطبيعي للغاية، لكن كذلك استطاع ديب الاقتراب من شكل الشخصية وروحها كما يفعل مع الشخصيات الخيالية، فنجده من حيث المظهر متطابقا مع أيوجين خلال هذه الفترة العمرية، بالإضافة إلى لمسته الخاصة بالتأكيد التي أكسبت الشخصية سحرا.

فيلم ميناماتا كتب تبعا لما يطلق عليه في عالم السيناريو “رحلة البطل”، وهي صيغة تستخدم في بناء حبكات الأفلام وفقا لخطوات معينة تجتذب المشاهد، مبنية بالأساس على الأساطير الشعبية القديمة التي حللها العالم جوزيف كامبل في كتابه “البطل بألف وجه”، وصرّح المخرج جورج لوكاس بعد نجاح فيلم “حرب النجوم” بأنها كانت الأساس التي بنى عليها العمل، فأصبحت مثل الوصفة السحرية لأشهر الأفلام بعد ذلك.

تتكون رحلة البطل المثالية من مراحل معينة، تبدأ بالعالم الاعتيادي للشخصية، ثم نداء المغامرة، ورفض النداء، ثم الرحلة نفسها، والمرشد الذي يساعد البطل على اجتياز الصعاب ويعرفه على العالم الجديد، ثم مرحلة الموت أو الفقد، وبعدها استجماع الذات وتحقيق النصر، والعودة بالإكسير السحري، والمراد به الغرض والمطلب الذي يبحث عنه البطل منذ البداية.
في ميناماتا، العالم الاعتيادي للبطل يكسوه الحزن، فمجلة لايف العريقة تفقد قرّاءها ودعمها المالي، ويحيا أيوجين على الكفاف لا يستطيع إعالة أولاده، ويأتيه نداء المغامرة على يد إيلين، الأميركية اليابانية التي تدعوه للمساعدة، لكنه يرفض النداء في البداية حتى يقتنع ويبدأ رحلته في اليابان، وهناك يكافح لأداء مهمته، سواء ضد السلطات والمصنع العملاق بمن وراءه، أو شكوكه في ذاته.

ويأتي الموت على هيئة حرق معمل تحميض الصور الخاص به بما فيه من أصول ونسخ، ثم ضربه في إحدى الوقفات الاحتجاجية ليفقد النظر بإحدى عينيه، ويتمثل هنا الإكسير السحري في واحدة من أعظم وأشهر الصور في التاريخ التي حملت اسم “توموكو والأم في الحمام” (Tomoko and Mother in the Bath)، وتمثل إحدى ضحايا التلوث البيئي، وهي مراهقة لم تبصر النور في حياتها، تغسّلها أمها بالطريقة اليابانية القديمة.
موضوع فيلم ميناماتا يميل إلى الميلودراما الشديدة بوضوح، فهو يتحدث عن مأساة بالمعنى الحرفي للكلمة، وأجيال من الأطفال المشوهين، لذلك كان من الطبيعي أن يغلب هذا الطابع على الفيلم الذي ارتكز على استدرار مشاعر المشاهدين بشكل جلي.

واستخدم في ذلك التضاد الواضح بين جماليات التصوير السينمائي والفوتوغرافي خلال أحداث الفيلم، وقبح ومأساة الموضوع، وتوضيح القدرة على إيجاد الجمال في أكثر المواضيع حزنًا.

ولكن في النهاية، يبقى ميناماتا أحد أهم الأعمال التي أبرزت قدرات جوني ديب الفنية بعيدا عن أدوار الفانتازيا والمغامرة، وقد يكون تذكرة عودته مرة أخرى إلى السينما وهوليود.

المصدر
الجزيرة
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
%d مدونون معجبون بهذه: